ابن عربي
289
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
الحرم مما رد الأعلام إلى البيت ، فإنه من لم يكن فيه فليس بحاضر بلا شك ، فلو قال تعالى في حاضر المسجد الحرام كنا نقول بما جاور الحرم ، لأن حاضر البلد ربضه إلى الخارج عن سوره ، امتد في المساحة ما امتد ، وإنما علق سبحانه ما ذكره بحاضري المسجد الحرام وهم الساكنون فيه ، ومعنى التمتع تحلل المحرم بين النسكين العمرة والحج ، وهذا عندي ما يكون إلا لمن لم يسق الهدي ، فإن ساق الهدي وأحرم قارنا فإنه متمتع من غير إحلال ، فإنه ليس له أن يحل حتى يبلغ الهدي محله ، فقوله تعالى : « فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ » أي المتمتع يلزمه حكم الهدي ، فإن كان له هدي وهو بحالة الإفراد بالعمرة أو القران ، فذلك الهدي كافيه ولا يلزمه هدي ولا يفسخ جملة واحدة ، وإن أفرد بالحج ومعه هدي فلا فسخ ، فقوله : « إِلَى » هنا بمعنى مع ، ولهذا يدخل القارن في قوله : « فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ » أي مع الحج ، فتعم المفرد والقارن ، وأما من نوى الحج وليس معه هدي فواجب عليه الفسخ وأن يحوّل النية إلى العمرة ، ويحل ثم ينشئ الحج ، ثم قال تعالى : « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » .
--> حيث تحبسني ، زاد النسائي ، فإن لك على ربك ما استثنيت ، وليس في شيء من هذه الروايات الأمر بالقضاء في شيء ، لا فيما حصر عنه ولا في الهدي ، فمن ثبت عنده ما ذكرناه من أحاديث القضاء فهي زيادة حكم يجب العمل به ، ومن لم يثبت عنده ذلك خيرناه ، فإن شاء قضى وإن شاء لم يقض ، ثم قال : « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ » فإن حلق رأسه المحرم لأذى قام به من مرض وغيره « فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ » ثم عيّن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قدر الفداء من كل ما وقع فيه التخيير ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لكعب بن عجرة حين أمره بحلق رأسه وهو محرم : إن شئت فأطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام ، أو صم ثلاثة أيام ، أو اذبح شاة ، وهو مخير أن يحلق قبل الفداء أو بعده ، ثم قال : « فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ » الأظهر في هذه الآية أنها في المتمتع الحقيقي ، فيكون معناه وإذا لم تكونوا خائفين فتمتعتم بالعمرة إلى الحج « فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ » قال بعض شيوخنا ويدل على صحة هذا التأويل قوله سبحانه : ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) والمحصر يستوي فيه حاضر المسجد الحرام وغيره ، قلنا : فإذا أمنتم الموانع وقد فات الحج وسواء كان عن إحصار أو غير إحصار أحل بعمرة بلا شك ، فإن حج من سنته تلك كان متمتعا فوجب عليه هدي التمتع ، وإن لم يحج من